الجاحظ
79
الحيوان
من شدّة مخالفة البلدة لطبائعها ونقضها لقواها . وإنما أسرع إليها الموت عندكم للذي يعتريها من الآفات والأعراض في دوركم ، فاجتمعت عليها خصال ، أوّل ذلك أنها مع الوحش وفي صميم بلادها أجرأ وأقوى ، وأشهم نفسا وأمضى ، فلمّا اصطدناها بالحيل ، وصيّرناها مقصورة أهليّة بعد أن كانت وحشيّة وفي غير غذائها ، لأنّها كانت تشرب إذا احتاجت ، وتأكل إذا احتاجت وتأخذ من ذلك على مقادير ما تعرف من موقع الحاجة ، فلما صارت إلى قيام العبيد عليها ، والأجراء بشأنها ، والوكلاء بما يصلحها دخل ذلك من النقض والخور ، والخطأ والتقصير ، على حسب ما تجد في سائر الأشياء ، ثم لم نرض بذلك حتّى نقلناها من تلك البلدة على إنكارها لتلك اللدة ، فصيّرناها إلى الضدّ بعد أن كانت في الخلاف . وقد علمنا أنّ سبيلها سبيل سائر الحيوان ، فإنّ الإبل تموت ببلاد الروم وتهلك وتسوء حالها ، والعقارب تموت في مدينة حمص « 1 » ، والتماسيح تموت إن نقلت إلى دجلة والفرات ، والنّاس يصيبهم الجلاء فيموتون ويتهافتون . وقد علمنا أنّ الزّنج إذا أخرجوا من بلادهم فما يحصل بالبصرة عندنا منهم إلّا اليسير . وكذلك لو نقلوا إليكم بزر الفلفل والسّاج والصّندل والعود ، وجميع تلك الأهضام « 2 » ، فما امتناع نبات العاج ببلادكم إلّا كامتناع نبات الآبنوس ، وإن كان ينبت في حيوان والآخر في أرض . فلا يفتخرنّ مفتخر في الأسد في هذه البلدة إذا قاوم الفيل . والأسد هاهنا في بلاده وفي الموضع الذي تتوفّر أموره عليه ، لأنّ أسد العراق هي الغاية ، وأقواها أسد السّواد ثم أسد الكوفة . ولأنّ الفيلة عندكم أيضا ترى عندكم السّنانير ، وقد جعل اللّه في طبع الفيل الهرب من السّنّور والوحشة منه ، كما أنّ بعض شجعانكم يمشي إلى الأسد ، ويقبض على الثّعبان ، ولا يستطيع النّظر إلى الفأر والجرذان ، حتى يهرب منها كلّ الهرب ، ويعتريه من النّفضة واصفرار اللّون ما لا يعتري المصبور على السّيف وهو يلاحظ بريقه عند قفاه « 3 » . 2118 - [ خوف عبد اللّه بن خازم من الجرذ ] وذكر عليّ بن محمد السميري قال « 4 » : بينما عبد اللّه بن خازم السّلميّ عند عبيد
--> ( 1 ) ربيع الأبرار 5 / 477 ، ومعجم البلدان ( حمص ) . ( 2 ) الأهضام : الطيب ، وقيل البخور . ( 3 ) ربيع الأبرار 5 / 471 . ( 4 ) ربيع الأبرار 5 / 471 .